
ماذا يمكن للمسيحيين البائسين ان يرنموا؟
الكاتب: كارل ترومان (مترجم)
الموضوع: الترنيم، العبادة
تاريخ النشر: 2026-03-10
كثيرون منا يحتقرون تعاليم الصحة والغنى والسعادة التي يروّج لها المبشّرون التلفزيونيون الأمريكيون ونظراؤهم البريطانيون المؤذون، باعتبارها تجديفًا فاضحًا. إن فكرة أن المسيحية — التي يقف في مركزها العبد المتألّم، والرجل الذي لم يكن له أين يسند رأسه، والذي أطاع حتى الموت، بل موت الصليب — ينبغي أن تُستَخدم لتبرير الجشع الوثني للأثرياء الغربيين، هي أمر صعب أن يُصدَّق.
ومع ذلك، هناك خطرٌ حقيقي يتمثل في أن هذه التعاليم الهرطوقية قد تسرّبت إلى الحياة الإنجيلية بطريقة غير محسوسة لكنها مدمّرة، مؤثرةً ليس بقدر كبير في لاهوتنا بقدر ما أثّرت في آفاق توقّعاتنا. فنحن نعيش، بالرغم من كل شيء، في مجتمعٍ قيمه هي بالضبط الصحة والغنى والسعادة. أين تقف الكنيسة في كل هذا؟ أولًا، دعونا ننظر إلى لغة العبادة المعاصرة. فالعبادة موضوع صعب، وإذ قد اختبرت — وعمومًا قدّرت — العبادة عبر الطيف الإنجيلي كله، من الكاريزماتي إلى الإصلاحي، فإن اهتمامي هنا أقلّ بشكل العبادة وأكثر بمضمونها. ومع ذلك، أود أن أسجّل ملاحظة واحدة فقط: المزامير، كتاب الترانيم الإلهي الخاص بالكتاب المقدس، قد اختفت تقريبًا بالكامل من المشهد الإنجيلي الغربي المعاصر. لست متأكدًا تمامًا لماذا حدث هذا، لكن لدي إحساس غريزي بأن لهذا علاقة كبيرة بحقيقة أن نسبة عالية من المزامير مكرّسة للرثاء، وللشعور بالحزن والتعاسة والعذاب والانكسار. في الثقافة الغربية الحديثة، هذه ببساطة ليست مشاعر تحظى بمصداقية كبيرة: نعم، لا يزال الناس يشعرون بهذه الأمور، لكن الاعتراف بأنها جزء طبيعي من الحياة اليومية يُعَدّ بمثابة اعتراف بالفشل في مجتمع اليوم القائم على الصحة والغنى والسعادة.
الآن، لن نتوقع من العالم أن يولي ضعف صرخات أصحاب المزامير اهتمامًا كبيرًا. لكن المزعج هو حين تختفي صرخات الرثاء هذه من لغة الكنيسة. ربما تشعر الكنيسة الغربية بأنها لا تحتاج إلى الرثاء — لكنها عندئذ تكون للأسف مخدوعة بشأن مدى صحتها الحقيقية. وربما — وهذا أرجح — أننا قد شربنا بعمق من بئر المادية الغربية الحديثة حتى إننا ببساطة لا نعرف ماذا نفعل بهذه الصرخات ونعتبرها شيئًا مُحرجًا. ومع ذلك، فإن الحالة الإنسانية بائسة — والمسيحيون الذين يدركون خداع القلب البشري وينتظرون وطنًا أفضل ينبغي أن يعرفوا هذا.
إن نظامًا غذائيًا من ترانيم مبهجة بلا انقطاع يخلق حتمًا أفقًا غير واقعي من التوقعات، ينظر إلى الحياة المسيحية الطبيعية كأنها حفلة شارع انتصارية طويلة — وهو سيناريو غير صحيح لاهوتيًا وكارثي رعويًا في عالمٍ مليء بأناس مكسورين. هل تسللت، دون وعي، قناعة بأن المسيحية هي — أو على الأقل ينبغي أن تكون — كلّها صحة وغنى وسعادة، إلى مضمون عبادتنا، ففسدتها بصمت؟
قلّما يعتبر مسيحيون في مناطق كانت فيها الكنيسة أقوى خلال العقود الأخيرة — الصين، إفريقيا، أوروبا الشرقية — الارتفاعات العاطفية المتواصلة، على أنها نمط الحياة المسيحية الطبيعية. بل إن الصوّر الكتابية للمؤمنين لا تترك مجالًا لمثل هذا التصور. انظر إلى إبراهيم، ويوسف، وداود، وإرميا، والسرد التفصيلي لاختبارات أصحاب المزامير. كثير من الألم، كثير من الرثاء، ويأس أحيانًا — والفرح، حين يظهر، يختلف جدًا عما نجده في كثير من المسيحية الغربية الحديثة. في المزامير، أعطى الله الكنيسة لغة تسمح لها أن تعبّر حتى عن أعمق آلام النفس البشرية في سياق العبادة. فهل يدل غياب مثل هذه الصرخات عن العبادة المعاصرة على أن قيم الراحة والإسترخاء، التي تتولاها الطبقة الوسطى من المجتمع الغربي الإستهلاكي، قد تسللت بصمت إلى الكنيسة، فجعلتنا نعدّ هذه الصرخات غير مناسبة، أو بعيدة عن خبرتنا، أو محرجة، أو علامة فشلٍ ذريع؟
كنتُ حاضرًا مرةً في اجتماعٍ كنسي، وجادل فيه أحدهم بأن المزامير ينبغي أن تحتل أولوية أعلى في العبادة الإنجيلية مما هي عليه عادةً — فقيل له بلهجة غاضبة، وبطريقة لا تحتمل اللبس، إن مثل هذا الرأي يكشف عن قلبٍ لا يهتم بالإرسالية. وعلى العكس، أعتقد أن استبعاد اختبارات أصحاب المزامير وتوقعاتهم من عبادتنا — وبالتالي من آفاق توقّعاتنا — قد شلّ إلى حدٍّ كبير الجهود الإرسالية للكنيسة في الغرب وحوّلنا جميعًا إلى كائنات روحية قزمة. فباستبعاد صرخات الوحدة والحرمان والخراب من عبادتها، تكون الكنيسة قد أسكتت فعليًا وأقصت أصوات أولئك الذين هم أنفسهم وحيدون، ومحرومون، وخربون، سواء داخل الكنيسة أو خارجها.
يمكن للمرء أيضًا أن ينظر إلى مضمون الصلوات — تلك التي نرفعها في الخفاء وتلك التي تُرفع في اجتماع الكنيسة. كم مرة صلى إبراهيم وموسى وبولس طلبًا للصحة، أو النجاح الدنيوي، أو السعادة الشخصية والرضا؟ كيف تقارن اهتمامات هؤلاء الرجال بمضمون وأولويات صلواتنا نحن؟ هل تُحاكي توسلاتُنا، رغم الحشو اللاهوتي التقيّ، دون قصدٍ منا، أولوياتِ «إلمر غانتري» هذا العالم الذين يروّجون إنجيلًا خبيثًا يقوم على الصحة والغنى والسعادة؟
ثم انظروا إلى تطلعاتنا نحن: بيوت كبيرة، سيارات فارهة، دخلان (زوجان يعملان)—كل ذلك يظهر في أحلام كثيرين منا، إذ نحن منغمسون في جعل الراحة والرضا الشخصيين هدفَنا الأساسي. لقد باعت الكنيسة الإنجيلية روحها لقيم المجتمع الغربي، ولذلك فإن تراجعها الحالي ليس في التحليل الأخير ببساطة نتيجة العلمنة؛ بل هو في النهاية نتيجة دينونة الله الفاعلة على ثقافة كنيستنا المُعلمنة. لقد وقعنا في عبادة أصنام القيم العلمانية للصحة والغنى والسعادة، وإلى أن ندرك جميعًا هذا—على المستوى الفردي والجماعي—ونتوب عنه، ونسلّم أنفسنا في خدمة مؤلمة، في التضحية للرب الذي اشترانا، فلن نرى أي تحسّن.
كيف يمكننا أن نفعل هذا؟
أولًا، لنتعلّم جميعًا مرة أخرى أن نرثي. اقرأوا المزامير مرارًا وتكرارًا حتى يكون لديكم المفردات، والقواعد، والبناء النحوي اللازم لتسكبوا قلوبكم أمام الله في رثاء. إن فعلتم هذا، سيكون لديكم الموارد لتتعاملوا مع فتراتكم الخاصة من الألم، واليأس، وانكسار القلب، ولتستمروا في العبادة والثقة حتى خلال أحلك الأوقات؛ وستنمون أيضًا في فهمٍ أكبر لإخوة مسيحيين تكون آلامهم—كالفقد، أو الاكتئاب، أو اليأس مثلًا—تجعل من الصعب عليهم أحيانًا أن ينشدوا «يسوع يريدني أن أكون شعاع شمس» بحماس كل صباح أحد؛ وسيكون لديكم ما هو أكثر مصداقية لتقولوه لأولئك الأفراد المحطّمين والمنكسرين—سواء كانوا مديري بنوك منهكين أو مدمنين منهارين—الذين قد تُدعون أن تكونوا لهم شاهدًا على رحمة الله غير المشروطة ونعمتِه لغير المحبوبين وغير الجذّابين. لأن مثل هؤلاء، كما قد يضعها الكتاب المقدس، كان بعضكم…
ثانيًا، اسعوا لأن تجعلوا أولويات صلوات الكتاب المقدس أولوياتِ صلواتكم أنتم. يمكنكم أن تقرأوا كل ما تريدونه من علم الاجتماع العصري وكل المقدمات «ما بعد الحداثة»، وقد تمنحكم بالفعل رؤى تقنية قيّمة، لكن ما لم تكن دراساتكم، وكرازتكم، وحياة كنيستكم، وحياة عائلتكم—بل حياتكم كلها—مغموسة بالصلاة وتعكس أولويات الكتاب المقدس، فلن يكون لها نفع لكم ولا لأي أحد آخر.
هذه المقالة مترجمة من مقالة كارل ترومان الإنجليزية على المنشورة The Gospel Coalition. للاطلاع على النسخة الإنجليزية، يُرجى الضغط هنا.